عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
119
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الخامس في صفة الحسد وعلاجها بالنصيحة والرحمة والشفقة قال اللّه تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ( 5 ) [ الفلق : 5 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ثلاث هن أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن ؛ إياكم والكبر ، فإن إبليس حمله الكبر على ألا يسجد لآدم ، إياكم والحرص فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة ، وإياكم والحسد فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدا » « 1 » . اعلم أن الحسد داء معضل ودواؤه مشكل لأن صاحبه يعارض اللّه فيما يحب ويكره . وذلك لأن اللّه أحب أن أنعم على عبده بنعمة من نعمه ، وكره زوالها عنه . وما أحب أن تكون هذه النعمة للحاسد وكره أن تكون له . والحاسد أحب أن تكون النعمة له وتزول عن صاحبها ، فقد أحب ما كره اللّه وكره ما أحب اللّه . وهذا داء مزيل للإيمان لأن صاحبه لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير وقد قال النبي - عليه السلام - : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 2 » . وقال بعضهم : إن الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الواحد . وفي بعض الكتب المنزلة : الحاسد عدو لنعمتي . وقيل في قوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] قيل : ما بطن : الحسد . وقيل : أثر الحسد يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك ، ومنه قوله - صلى اللّه عليه وسلم - « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » « 3 » . يشير به إلى أن الحسد يشارك الشرك في إحباط الأعمال .
--> ( 1 ) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ( ج 52 ص 24 ) . وأورده الألوسي في تفسيره روح البيان ، سورة آل عمران عند تفسيره قوله تعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على أن من خصال الإيمان . . . ، حديث رقم ( 71 - 45 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه » حديث رقم ( 13 ) . ورواه غيرهما . ( 3 ) رواه أبو داود في سننه ، كتاب الأدب ، باب في الحسد ، حديث رقم ( 4903 ) ورواه ابن ماجة في سننه ورواه غيرهما . كتاب الزهد ، باب الحسد ، حديث رقم ( 4210 ) .